الأحد، 26 يوليو 2026

الأفكار وصناعة المصير: دراسة في العلاقة بين العمليات المعرفية والسلوك الإنساني والتشكيل الاجتماعي

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

تنطلق معظم النظريات المعاصرة في علم النفس المعرفي من أن الفكر يمثل المنطلق الأول للسلوك الإنساني، وأن الكلمات ليست سوى انعكاس للبنية الذهنية التي تشكل الإدراك والوعي. فالأفكار توجه الانفعالات، والانفعالات تؤثر في القرارات، والقرارات تتراكم لتصنع المسار الشخصي والاجتماعي للإنسان.

وفي علم الاجتماع، لا يُنظر إلى الفكر باعتباره نشاطاً فردياً معزولاً، بل باعتباره نتاجاً للتفاعل بين الفرد وبيئته الثقافية والاجتماعية، حيث تتشكل القيم والمعتقدات التي تنعكس في الخطاب والسلوك. ومن هنا يصبح ضبط الأفكار ومراجعتها ممارسة معرفية وأخلاقية تسهم في بناء شخصية متوازنة قادرة على اتخاذ قرارات رشيدة.

إن صناعة المصير لا تبدأ عند لحظة اتخاذ القرار، بل تبدأ قبل ذلك بكثير؛ في الكيفية التي يُنتج بها الإنسان أفكاره، ويحلل بها الواقع، ويعيد بناء تصوراته عن ذاته والعالم. لذلك فإن تنمية التفكير النقدي، والوعي بالتحيزات المعرفية، والقدرة على إدارة الحوار الداخلي، تمثل ركائز أساسية في بناء مستقبل الفرد والمجتمع.

وعليه، فإن مراقبة الأفكار ليست مجرد دعوة أخلاقية، بل هي استراتيجية علمية تستند إلى مبادئ علم النفس المعرفي، وعلم الاجتماع، والفلسفة، تؤكد أن جودة الفكر هي الأساس الذي تُبنى عليه جودة الكلمة، وجودة الفعل، ومن ثم جودة 


الجمعة، 24 يوليو 2026

التعليم الخصوصي بين الرسالة التربوية والمنطق التجاري: دراسة سوسيولوجية في أزمة القيم وهيمنة ثقافة النقطة

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

هذا التحول من "التربية والتعليم" إلى "التعليم لأجل النقطة" هو أحد أعقد الإشكاليات التي تواجه المنظومات التعليمية الحديثة، وتحديداً في قطاع التعليم الخصوصي (الخاص). لقد تحول التعليم في سياقات متعددة من "رسالة تربوية" إلى "سلعة تجارية"، حيث أصبح المعدل الرقمي هو المنتج الذي يشتريه الولي، والنجاح الشكلي هو الخدمة التي تقدمها المؤسسة.

​تسليع الوعي وسقوط "التربية": تفكيك البنية التجارية للتعليم الخصوصي وأزمة النقطة المستأجرة

​1. الإطار المفاهيمي: من "التربية والتعليم" إلى "الزبونية التربوية"

​تاريخياً، ارتبطت فلسفة التعليم ببناء الإنسان. لغوياً واصطلاحياً، تتقدم "التربية" (التي تعني النماء، والتنشئة على القيم والأخلاق) على "التعليم" (شحن الذهن بالمعارف). هذا الترتيب ليس ترفاً لفظياً، بل هو اعتراف بأن المعرفة بلا أخلاق قد تنتج "ذكاءً تدميرياً" أو كائناً آلياً يفتقر للحس الإنساني.

​ومع ذلك، تعيش بعض المؤسسات التعليمية الخاصة اليوم ما يسميه علماء الاجتماع بـ "التسليع الكامل للتعليم" (Commodification of Education). في هذا النموذج:

​الطالب: يتحول من "متعلم" يُبنى وعيه إلى "منتَج" يجب تلميعه.

​الولي: يتحول من "شريك تربوي" إلى "زبون مستهلك" (Consumer).

​المؤسسة: تتحول من "فضاء قيمي" إلى "شركة خدمية" تخضع لقانون العرض والطلب.

​2. أسباب تحول اهتمام الآباء: سيكولوجية "النقطة المقابلة للمال"

​ينطلق الآباء الذين يركزون على النقطة فقط من عدة ضغوطات نفسية واجتماعية:

​متلازمة "عقد البيع والشراء": عندما يدفع الأب واجباً شهرياً مرتفعاً، يتولد لديه وعي استهلاكي لا شعوري: "أنا أدفع، إذن ابني يجب أن يحصل على أعلى ميزة". يُصبح التعامل مع الأخلاق والتربية عبئاً ثانوياً، لأن الولي يرى أن الأخلاق مسؤولية البيت أو أنها "لا تشتري مقعداً في كليات الطب والهندسة".

​سوسيولوجيا الوجاهة والمظاهر (Social Status): في مجتمعاتنا المعاصرة، أصبحت النقطة المرتفعة أداة للمفاخرة الاجتماعية بين العائلات. إنها تمنح الآباء شعوراً زائفاً بالنجاح في الاستثمار التربوي.

​قلق المستقبل وضغط "الامتحانات الإشهادية": يرى الآباء أن سوق الشغل ومعاهد التعليم العالي لا تحاسب الطالب على حسن خلقه، بل على عتبات الانتقاء (Seuils de sélection) والمعدلات الرقمية. هذا الخوف يبرر لديهم الانتهازية التربوية: "النجاح أولاً، والأخلاق لاحقاً".

​3. لماذا تخلت المؤسسات الخاصة عن دورها الريادي؟

​إن انسحاب بعض مدارس التعليم الخصوصي من الدور التربوي يعود لبنية اقتصادية وتنظيمية صرفة:

​ميكانيزمات السوق والرقابة الرأسمالية: تعيش المدارس الخاصة منافسة شرسة. المعيار الوحيد المستقطب للزبائن الجدد هو "نسبة النجاح ونسب الميزات العالية (حسن جداً)". المدرسة التي تطبق انضباطاً أخلاقياً صارماً قد تُغضب "الزبون" (الابن أو الأب)، مما يدفعهم لمغادرتها؛ لذا تختار المدرسة المسالمة وتضخيم النقط (Inflation des notes) للحفاظ على مداخيلها.

​هشاشة الوضعية المهنية للمدرسين: في العديد من المؤسسات الخاصة، يفتقر الأساتذة للأمان الوظيفي ويشتغلون بعقود مؤقتة. هذا يجعل الأستاذ حلقة ضعيفة لا يستطيع فرض سلطته التربوية أو تقويم سلوك التلميذ المنحرف خوفاً من شكوى الوالد (الزبون) وإدارة المؤسسة التي قد تضحي بالأستاذ لإرضاء الممول.

​غياب الإعداد البيداغوجي للقيم: تركز المناهج في هذه المؤسسات على الحشو المعرفي والتدريب الآلي على الامتحانات، مع إفراغ الزمن المدرسي من الأنشطة الموازية (المسرح، السينما، العمل التطوعي) التي تبني الأخلاق والروح النقدية.

​4. المرجعيات والدلائل العلمية والسوسيولوجية

​تستند هذه القراءة إلى أدبيات علمية رصينة ناقشت أزمة التعليم المعاصر:

​مفهوم "إعادة الإنتاج" (Pierre Bourdieu): يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أن التعليم تحول إلى أداة لإعادة إنتاج التفاوت الطبقي عبر ما يسميه "رأس المال الثقافي والمدرسي". في المدارس الخاصة، تصبح النقطة شكلاً من أشكال الرأسمال الذي يُشترى لتأمين مكانة اجتماعية، بغض النظر عن البناء القيمي.

​تسليع التعليم (Henry Giroux): يوضح المفكر الأمريكي هنري جيرو في نظريته حول "البيداغوجيا النقدية" كيف أن النيوليبرالية حوّلت المدارس إلى "مراكز تسوق"، حيث يُقاس النجاح بالأرقام والمردودية الاقتصادية، وتُقبر قيم المواطنة والأخلاق والعدالة الاجتماعية.

​تقارير المجلس الأعلى للتربية والتخلق والبحث العلمي (سياقات إقليمية): تؤكد العديد من التقارير الرسمية الوطنية والدولية (مثل تقارير البنك الدولي حول التعليم) على وجود فجوة كبيرة بين "التحصيل العددي الشكلي" وبين "المهارات الحياتية والقيمية" (Soft Skills & Ethics)، مشيرة إلى أن الإفراط في الخصخصة دون دفاتر تحملات صارمة تؤطر الجانب القيمي يؤدي إلى تآكل الوظيفة التربوية للمدرسة.

​5. تداعيات الأزمة: "مواطنون بلا بوصلة"

​إن إنتاج جيل بمعدلات عالية وأخلاق منخفضة يترتب عنه كوارث مجتمعية بنيوية:

​الغش المقنن: عندما يرى الطالب أن والديه والمؤسسة يبررون له كل السبل من أجل النقطة، ينشأ على ثقافة الانتهازية والفساد (الغاية تبرر الوسيلة).

​الإنتاجية الجافة: تخرج المدارس كفاءات تقنية (أطباء، مهندسون، محامون) يمتلكون المهارة المعرفية لكنهم يفتقرون للضمير المهني والإنساني، مما يرفع معدلات الرشوة والجشع.

​خلاصة واستشراف

​إن شعارات وزارات التربية والتعليم ستبقى حبراً على ورق ما لم يتم فصل الفعل التربوي عن المنطق التجاري الربحي. يحتاج التعليم الخصوصي إلى منظومة تقييم خارجية صارمة ومستقلة تمنع "تضخيم النقط المفتعل"، وإلى ترسانة قانونية تحمي كرامة المدرس وسلطته الاعتبارية داخل الفصل، ليعود أستاذاً ومربياً، لا مجرد "مُقدّم خدمة" لزبون يملك المال.

الثلاثاء، 21 يوليو 2026

دور الأم في زرع القيم: قراءة أكاديمية في التنشئة الأسرية وبناء الشخصية

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش ..

تُعد الأسرة المؤسسة الاجتماعية الأولى التي يتلقى فيها الإنسان مبادئ الحياة وقواعدها، وهي البيئة التي تتشكل فيها ملامح الشخصية الإنسانية منذ سنواتها الأولى. وإذا كانت الأسرة هي الحاضنة الأساسية للتنشئة الاجتماعية، فإن الأم تمثل ركيزتها المحورية، لما تضطلع به من أدوار تربوية ونفسية وأخلاقية لا يمكن الاستغناء عنها في بناء الفرد وإعداد المواطن الصالح.

لقد أثبتت الدراسات في علم الاجتماع وعلم النفس التربوي أن السنوات الأولى من عمر الطفل تعد المرحلة الأكثر تأثيرًا في تكوين منظومته القيمية، حيث يكون أكثر قابلية لاكتساب السلوكيات والاتجاهات من خلال الملاحظة والتقليد والتفاعل اليومي مع الأم، التي تمثل النموذج الأول الذي يحتذي به الطفل في حياته.

أولًا: مفهوم القيم وأهميتها

القيم هي مجموعة المبادئ والمعايير الأخلاقية والاجتماعية والدينية التي توجه سلوك الإنسان، وتمكنه من التمييز بين الخير والشر، والحق والباطل، والصواب والخطأ. وتمثل القيم الضابط الأساسي للعلاقات الإنسانية، كما تشكل أساس استقرار المجتمعات واستمرارها.

وتشمل القيم:

القيم الدينية.

القيم الأخلاقية.

القيم الاجتماعية.

القيم الوطنية.

القيم الإنسانية.

وكلما ترسخت هذه القيم في شخصية الفرد، أصبح أكثر قدرة على تحمل المسؤولية واحترام الآخرين والإسهام في تنمية المجتمع.

ثانيًا: الأم باعتبارها المدرسة الأولى

يقول الشاعر حافظ إبراهيم:

الأم مدرسة إذا أعددتها

أعددت شعبًا طيب الأعراق.

ولم يكن هذا الوصف مجرد تعبير أدبي، بل أصبح حقيقة تؤكدها البحوث العلمية؛ فالأم هي أول من يحتضن الطفل، وأول من يسمع صوته، وأول من يغرس في نفسه معاني الرحمة والمحبة والانتماء.

ومن أهم وظائفها:

غرس العقيدة الصحيحة والقيم الدينية.

تعليم الصدق والأمانة والإخلاص.

تنمية الاحترام والتسامح.

تدريب الطفل على تحمل المسؤولية.

ترسيخ قيم النظام والانضباط.

ثالثًا: أساليب الأم في زرع القيم

1. القدوة الحسنة

يعد السلوك العملي للأم أكثر تأثيرًا من التوجيهات اللفظية؛ فالطفل يتعلم بالمشاهدة أكثر مما يتعلم بالكلام.

2. الحوار

الحوار الهادئ يساعد الطفل على فهم أسباب السلوك الصحيح، ويشجعه على التفكير والنقاش واحترام الرأي الآخر.

3. التعزيز الإيجابي

الثناء والتشجيع والمكافأة من الوسائل الفعالة لترسيخ السلوك القيمي الإيجابي.

4. القصص

تعد القصص القرآنية والسيرة النبوية وقصص الصالحين من أهم الوسائل لترسيخ الفضائل والقيم.

5. التربية بالممارسة

تدريب الطفل على الصدقة، ومساعدة المحتاج، واحترام الكبير، والمحافظة على البيئة يجعل القيم تتحول إلى سلوك دائم.

رابعًا: التحديات التي تواجه الأم

في العصر الحديث تواجه الأم تحديات عديدة، من أهمها:

التأثير المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي.

ضعف التواصل الأسري.

انشغال الوالدين بالعمل.

انتشار بعض المحتويات المخالفة للقيم.

تراجع دور المؤسسات التربوية في ترسيخ الأخلاق.

وهذه التحديات تجعل مسؤولية الأم أكثر أهمية، لأنها مطالبة بتوجيه أبنائها نحو الاستخدام الواعي للتكنولوجيا، وتنمية التفكير النقدي، وترسيخ الهوية الدينية والوطنية.

خامسًا: الأبعاد النفسية والاجتماعية لدور الأم

يرى علماء النفس أن الطفل الذي ينشأ في بيئة يسودها الحب والاحتواء يكتسب الثقة بالنفس والاستقرار الانفعالي، بينما يؤكد علماء الاجتماع أن الأسرة القائمة على القيم تنتج أفرادًا أكثر التزامًا بالقانون وأكثر قدرة على الاندماج الإيجابي داخل المجتمع.

ومن هنا فإن نجاح الأم في التربية القيمية ينعكس على المجتمع بأسره، من خلال انخفاض معدلات الانحراف والجريمة والعنف، وتعزيز روح التعاون والانتماء والمسؤولية.

سادسًا: مسؤولية مشتركة

ورغم المكانة المحورية للأم، فإن غرس القيم مسؤولية تشاركية بين الأب والأم، والمدرسة، والمؤسسات الدينية، ووسائل الإعلام، والمجتمع المدني. غير أن الأم تظل حجر الأساس الذي تبدأ منه عملية البناء الأخلاقي.

إن الأمم لا تبنى بالثروات وحدها، وإنما تبنى بالإنسان الصالح، والإنسان الصالح تصنعه التربية السليمة. وتبقى الأم صاحبة الدور الأبرز في صناعة الأجيال، لأنها تغرس في نفوس أبنائها بذور الإيمان، والأخلاق، والصدق، والانتماء، والمسؤولية. فإذا صلحت التربية داخل الأسرة، صلح المجتمع، وإذا ضعفت منظومة القيم داخل البيت، ظهرت آثار ذلك في مختلف مناحي الحياة.

ومن ثم، فإن الاستثمار الحقيقي لأي أمة يبدأ من الاستثمار في الأم، علمًا وتأهيلًا ودعمًا، لأنها ليست فقط مربية لأبنائها، بل هي صانعة المستقبل وحارسة القيم، وبانية الحضارات.

الاثنين، 20 يوليو 2026

بالصور : مراكش: افتتاح المحطة الطرقية الجديدة العزوزية ودخولها حيز الخدمة ابتداء من منتصف ليلة الخميس 23 يوليوز


في إطار تحديث البنيات التحتية الخاصة بالنقل الطرقي للمسافرين، وتعزيز جودة الخدمات المقدمة للمرتفقين، سيتم الافتتاح الرسمي للمحطة الطرقية الجديدة العزوزية ابتداء من منتصف ليلة يوم الخميس 23 يوليوز.

وبالتزامن مع دخول المحطة الطرقية الجديدة العزوزية حيز الخدمة، سيتم الإغلاق النهائي للمحطة الطرقية باب دكالة، لتصبح جميع رحلات النقل الطرقي للمسافرين منطلقة ووافدة حصريا عبر المحطة الجديدة.



وقد تم تصميم المحطة وفق رؤية حديثة ترتكز على التحول الرقمي، حيث تعتمد منظومات معلوماتية متطورة لتدبير مختلف العمليات المرتبطة باستقبال المسافرين، وتنظيم حركة الحافلات، وتدبير الأرصفة، وبيع التذاكر، بما يضمن انسيابية الخدمات، والشفافية في التدبير، والرفع من جودة الأداء.

وتتوفر المحطة الجديدة على 64 رصيفا مخصصا لاستقبال وانطلاق الحافلات، و30 شباكاً لبيع التذاكر، بما يتيح استيعاب الحركة المتزايدة للمسافرين، ويوفر ظروفا مثالية للاستقبال والانتظار والتنقل داخل فضاء حديث يستجيب لمتطلبات الراحة والنجاعة.


كما أوليت عناية خاصة لجانب السلامة والأمن، من خلال تجهيز المحطة بأحدث أنظمة المراقبة والتتبع، واعتماد تجهيزات تقنية متطورة، إلى جانب تنظيم محكم لحركة المسافرين والحافلات، بما يضمن أعلى مستويات الأمن، ويحافظ على سلامة المرتفقين والعاملين، ويوفر بيئة تنقل آمنة وعصرية.

ولتيسير ولوج المرتفقين إلى المحطة الطرقية الجديدة، تم تعزيز خدمات النقل الحضري المؤدية إليها، حيث ستكون المحطة مرتبطة بشبكة الحافلات، إضافة إلى خدمة سيارات الأجرة الكبيرة، بما يضمن سهولة الوصول إليها من مختلف أحياء المدينة وفي أفضل ظروف التنقل.



السبت، 18 يوليو 2026

العسل بين هدي القرآن والسنة والطب الحديث : شفاءٌ مباركٌ ومنحةٌ ربانية

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي .

يُعد العسل من أعظم النعم التي أنعم الله بها على الإنسان، فقد جمع بين الغذاء والدواء، وامتدحه القرآن الكريم، وأوصى به النبي ﷺ، كما أثبت الطب الحديث احتواءه على عناصر غذائية ومركبات علاجية ذات فوائد صحية متعددة. ولذلك ظل العسل عبر التاريخ من أهم وسائل العلاج الطبيعي التي اعتمدتها الحضارات المختلفة.

أولاً: العسل في القرآن الكريم

قال الله تعالى:

﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ۝ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة النحل: 68-69).

وهذه الآية الكريمة تُعد من أعظم الأدلة على المكانة الخاصة للعسل، حيث وصفه الله تعالى بأنه يحتوي على شفاء للناس، وهو تعبير يدل على ما أودعه الله فيه من خصائص نافعة.

ثانياً: العسل في السنة النبوية

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه:

أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: إن أخي استطلق بطنه، فقال: "اسقه عسلاً"، فسقاه ثم جاء فقال: قد سقيته فلم يزده إلا استطلاقاً، فقال ﷺ: "اسقه عسلاً"، حتى قال في الرابعة: "صدق الله وكذب بطن أخيك" فسقاه فبرأ. رواه البخاري ومسلم.

وقال رسول الله ﷺ:

"الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنهى أمتي عن الكي." رواه البخاري.

ثالثاً: الفوائد الصحية للعسل

لقد أثبتت الدراسات الطبية أن العسل يحتوي على السكريات الطبيعية، والفيتامينات، والمعادن، ومضادات الأكسدة، والإنزيمات، مما يجعله غذاءً متكاملاً.

ومن أبرز فوائده:

يقوي جهاز المناعة.

يساعد على التئام الجروح والحروق.

يخفف التهاب الحلق والسعال.

يمد الجسم بالطاقة بسرعة.

يحتوي على مضادات للبكتيريا والفطريات.

يساعد في تحسين عملية الهضم.

يساهم في تهدئة قرحة المعدة في بعض الحالات.

يقلل من تأثير الجذور الحرة بفضل مضادات الأكسدة.

يفيد الرياضيين في تعويض الطاقة.

يساهم في تحسين النوم عند تناوله باعتدال.

رابعاً: لماذا قال النبي ﷺ: "صدق الله وكذب بطن أخيك"؟

أجمع العلماء على أن معنى الحديث أن وعد الله حق، وأن عدم ظهور الشفاء من أول مرة لا يعني عدم نفع الدواء، وإنما قد يحتاج المريض إلى تكرار العلاج أو تختلف حالته الصحية حتى تتحقق أسباب الشفاء، فالله هو الشافي، والعسل سبب من الأسباب.

خامساً: الإعجاز العلمي

أظهرت أبحاث الطب الحديث أن العسل:

يحتوي على مواد قاتلة لأنواع عديدة من الجراثيم.

يساعد في سرعة التئام الجروح.

يحافظ على رطوبة الأنسجة المصابة.

يقلل الالتهابات.

يحتوي على مضادات أكسدة تقلل من تلف الخلايا.

يدخل في بعض المستحضرات الطبية لعلاج الجروح المزمنة.

ومع ذلك، فإن استعماله لا يغني عن مراجعة الطبيب في الأمراض التي تستدعي علاجاً طبياً متخصصاً، لأن الشفاء بيد الله، والعسل سبب من الأسباب.

سادساً: آداب استعمال العسل

اختيار العسل الطبيعي الموثوق.

الاعتدال في تناوله.

عدم إعطائه للأطفال دون سنة واحدة.

استشارة الطبيب لمرضى السكري لتحديد الكمية المناسبة.

تناوله ضمن نظام غذائي متوازن.

إن العسل نعمة عظيمة وهبة ربانية، جمع الله فيه بين الغذاء والدواء، وأرشد إليه القرآن الكريم، وأوصى به النبي ﷺ، ثم جاءت الاكتشافات العلمية لتكشف جانباً من أسراره وفوائده. والمؤمن يوقن بأن الشفاء أولاً وآخراً من عند الله تعالى، وأن الأخذ بالأسباب من تمام التوكل، كما قال سبحانه:

﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (سورة الشعراء: 80).

نسأل الله تعالى أن يرزقنا الصحة والعافية، وأن ينفعنا بما خلق، وأن يجعل القرآن العظيم والسنة النبوية نوراً وهداية وشفاءً لنا في ديننا ودنيانا، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


الخميس، 16 يوليو 2026

هل يتجه المغرب نحو خيار التكنوقراط؟... قراءة في الجدل المثار حول رئاسة الحكومة بعد انتخابات 2026

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

هل يتجه المغرب نحو خيار التكنوقراط؟... قراءة في الجدل المثار حول رئاسة الحكومة بعد انتخابات 2026

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في شتنبر 2026، بدأت ملامح نقاش سياسي وإعلامي يتشكل حول طبيعة القيادة الحكومية التي قد تفرزها المرحلة المقبلة، في سياق وطني يتسم باستحقاقات استراتيجية كبرى، أبرزها مواصلة تنفيذ المشاريع التنموية، والاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030، إلى جانب مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والإقليمية.

وفي خضم هذا النقاش، تداولت تقارير إعلامية، من بينها ما نشرته مجلة Jeune Afrique، أسماء شخصيات توصف بـ"التكنوقراطية" لقيادة الحكومة المقبلة، يتقدمها الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فوزي لقجع، بالنظر إلى حضوره في عدد من الملفات الاستراتيجية، وما راكمه من تجربة في تدبير الشأن المالي والإداري، فضلاً عن مساهمته في الإشراف على مشاريع وطنية ذات بعد دولي.

غير أن هذه المعطيات تبقى، إلى حدود اليوم، في إطار التحليلات والتوقعات الإعلامية، إذ لا يوجد أي إعلان رسمي يؤكد وجود توجه نحو تكليف شخصية بعينها، كما أن فوزي لقجع سبق أن نفى في أكثر من مناسبة انتماءه إلى أي حزب سياسي، مؤكداً أنه سيعلن بنفسه عن أي قرار يتعلق بدخول العمل الحزبي إذا اتخذه مستقبلاً.

ويعيد هذا الجدل إلى الواجهة سؤالاً سياسياً يتكرر مع كل محطة انتخابية: هل تحتاج المرحلة المقبلة إلى حكومة ذات امتداد حزبي، أم إلى قيادة تعتمد أساساً على الكفاءة التقنية والتدبيرية؟

يرى بعض المتابعين أن تعقيد الأوراش الكبرى التي يقبل عليها المغرب قد يعزز الدعوات إلى الاستفادة من الكفاءات الإدارية والتقنية القادرة على تدبير الملفات الاستراتيجية بكفاءة ونجاعة. في المقابل، يعتبر آخرون أن المنطق الدستوري والسياسي يظل مرتكزاً على المؤسسات التمثيلية، وأن الحكومة تستمد مشروعيتها من نتائج صناديق الاقتراع والمسار الذي يرسمه الدستور.

وبين هذين التصورين، يبقى النقاش مشروعاً، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى استنتاجات نهائية أو أحكام مسبقة، لأن الحسم في رئاسة الحكومة يظل مرتبطاً أولاً بنتائج الانتخابات التشريعية، ثم بالمقتضيات الدستورية المنظمة لتعيين رئيس الحكومة وتشكيل الأغلبية.

وفي ظل غياب أي مؤشرات رسمية، تظل الأسماء المتداولة، مهما كان وزنها الإداري أو السياسي، جزءاً من التداول الإعلامي الذي يرافق عادة المواعيد الانتخابية الكبرى، بينما يبقى القرار النهائي رهيناً بما ستفرزه صناديق الاقتراع، وما ستقرره المؤسسات الدستورية وفق الاختصاصات المخولة لها.

وبذلك، فإن الحديث عن فوزي لقجع أو غيره باعتباره رئيس الحكومة المقبل لا يعدو، في الوقت الراهن، كونه قراءة سياسية وتقديراً إعلامياً، لا يرقى إلى مستوى الحقيقة المؤكدة، في انتظار ما ستكشف عنه التطورات السياسية خلال الأشهر المقبلة.

الثلاثاء، 14 يوليو 2026

عندما يتحول الكرم إلى طمع... قراءة في آداب الضيافة وأخلاق المجالس

 


بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

ليست المجتمعات الراقية هي التي تُكثر من الولائم والمآدب، وإنما هي التي تُحسن آدابها وتحفظ أخلاقها. فالكرم لا يكتمل إلا بحسن استقبال المضيف، كما لا يكتمل إلا بحسن أدب الضيف. وإذا كان الكرم شيمة العرب والمسلمين، فإن العفة والقناعة والحياء هي تاج الضيف وزينته.

ولقد حضرت في الأيام الأخيرة عدداً من المناسبات الاجتماعية والدينية، كالعقائق والولائم والمآدب، فسرّني ما رأيته من مظاهر الكرم والجود التي ما زالت حاضرة في مجتمعنا المغربي، غير أن ما يؤسف له هو ظهور بعض السلوكات التي تُفسد جمال هذه المناسبات، وتسيء إلى روح الضيافة، حتى أصبحت تتكرر بصورة تدعو إلى التنبيه والتقويم.

ومن أكثر تلك المظاهر استفحالاً ما يقع عند تقديم المكسرات والحلويات، كـ"اللوز" و"الكاوكاو" و"الكركاع" وغيرها، حيث يعمد بعض الضيوف إلى ملء أكفهم بها، ثم لا يكتفون بما يأكلون، بل يُخفون الباقي في الجيوب أو الأكياس، وربما جمع بعضهم ما يكفي لأهل بيته جميعاً، دون استئذان من صاحب الدعوة، وكأنهم في سوق للشراء، لا في مجلس أُقيم على المودة والإكرام.

إن هذا السلوك لا يعكس حاجةً بقدر ما يعكس خللاً في التربية، وضعفاً في الوازع الأخلاقي، لأن الكرامة لا تُقاس بما يجمع الإنسان، وإنما بما يترفع عنه. وما أجمل قول العرب: "القناعة كنز لا يفنى"، وقولهم: "الأدب زينة الفقير، وزاد الغني."

وقد ربّى الإسلام المسلم على صيانة حقوق الآخرين، فقال تعالى:

﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: 85].

وقال سبحانه:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].

كما قال رسول الله ﷺ:

«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه.»

وهذا الحديث، وإن كان خطاباً للمضيف، فإنه يحمل في طياته مسؤولية الضيف أيضاً، لأن الكرم لا ينجح إلا إذا قابله الأدب. ولذلك قال ﷺ:

«لا يحل لضيف أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه.» قالوا: وكيف يؤثمه؟ قال: «يقيم عنده وليس عنده ما يقريه.»

فإذا كان الإسلام نهى الضيف عن إحراج مضيفه بطول الإقامة، فمن باب أولى أن ينهى عن كل تصرف يُوقعه في الحرج أو يُعد تعدياً على ما لم يُؤذن بأخذه.

وقد لخّص الأديب الفاضل سيدي محمد إيهوم هذه القضية بأبيات بليغة فقال:

يُمنعُ للضيفِ إذا ما أُطعِما

سرقةُ الطعامِ قال العلماءُ

ووضعُهُ بالكيسِ أو بالجيبِ

حمقٌ وعدوانٌ بدونِ ريبِ

وليس للضيفِ من الطعامِ

غيرُ الذي أكلَ في المقامِ

ولم يكن أسلافنا يعدّون المروءة بكثرة الأخذ، بل بقلة التطلع إلى ما في أيدي الناس. وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله:

إذا المرءُ لا يرعاكَ إلا تكلفاً

فدعه ولا تُكثر عليه التأسفا.

كما قال المتنبي:

وإذا كانت النفوس كباراً

تعبت في مرادها الأجسام.

فصاحب النفس الكبيرة لا تمتد يده إلى ما ليس له، ولا يُحرج مضيفه بطمع أو جشع، لأن المروءة تُعرف عند الطعام كما تُعرف عند المال.

والمؤلم في الأمر أن هذه التصرفات قد تصدر أحياناً ممن يُنتظر منهم أن يكونوا قدوة، كحملة القرآن، أو بعض طلبة العلم، أو من يتصدرون المجالس، فيكون وقعها أشد، لأن الناس تتعلم بالأفعال أكثر مما تتعلم بالأقوال. ومن هنا قال الشاعر:

لا تنهَ عن خُلُقٍ وتأتي مثلَهُ

عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ.

إننا اليوم لسنا بحاجة إلى كثرة المواعظ بقدر حاجتنا إلى إحياء القيم؛ قيم القناعة، والحياء، والعفة، واحترام الناس، وصيانة مجالسهم. فالضيف الكريم هو الذي يخرج من بيت مضيفه وقد ترك وراءه دعاءً طيباً، لا حديثاً عن طمعه وسوء تصرفه.

فلنحفظ للمجالس هيبتها، وللضيافة قدسيتها، ولأنفسنا كرامتها، فإن الأخلاق هي الثروة التي لا تنفد، وهي الميراث الذي يبقى بعد رحيل الإنسان. وكما قال الشاعر أحمد شوقي:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت

فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الخلق، وعفة النفس، وجمال الأدب، وأن يجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، إنه ولي ذلك والقادر عليه.